الأحد، 11 يناير 2015

شرح اسم الله (العلي الأعلى المتعال )سبحانه وتعالى

بسم الله الرحمن الرحيم
ألقي في قاعة الملك فهد بمكة، يوم الثلاثاء جماد أول 1435هـ
عناصر الدرس:

·         حاجتنا للعلم عن الله.

-        لماذا يجب علينا أن نعرف الله؟

1) مَن فَهِم الحياة، عرف حاجته الماسّة لمعرفة الله.

2) لأن لا يمكن أن يكون هناك إيمان وراءه استسلام إلا إذا عرفت الله

-       نعرف الله لأن وجود الإيمان الذي يسبب الإسلام معتمد على معرفة الله (معنى الإيمان لغة وشرعا)

-       فطرنا الله على فطرة (نقاش حول كلمة الفطرة).

-       نقاش حول الإيمان والاستسلام.

·         شرح اسم العلي الأعلى المتعال.

-       أدلة ورودها.

-       نؤمن بالاسم ونؤمن بالصفة (العلو).

-       صفة العلو تشمل ثلاثة أنواع.

-       إيماننا بعلو الله يعني إيماننا أنه عال بذاته في السماء فيكون قبلة قلبنا، ويزول التعلق بغيره، فيحصل لنا السمو في اتجاهاتنا.





مقدمة
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
نلتقي في هذا اللقاء ونحن شاكرين لربنا أن يسر لنا أسباب الاجتماع حول ذكره وشكره سبحانه وتعالى وهو المستحق، وهذه نعمة تُذكر فتُشكر، في هذا البلد المبارك ينعم علينا نعمة من الله وحده لا شريك له أن نجتمع نتذاكر ونذكره سبحانه وتعالى ونتعلم عنه ونُحضّ على ذلك، بل نخرج من دوامنا -الذي هو بمثابة العمل المكلف به الإنسان- لما هو أوجب منه وهو التعلم عن الله، فهذه نعمة بحدّ ذاتها تحتاج إلى شكر، ولا يشكرها إلا من قدّرها، وسواء كان تعلمنا عن أسماء الله عز وجل في هذا الاجتماع أو في غيره، مع أي شخص يعلمنا عن الله عز وجل كما ورد في الكتاب والسنة، فهذه نعمة يجب أن نشكرها لتزيد وينتج في قلوبنا ناتج هذه الاجتماعات، فنحمده ونشكره.
 ونسأل الله عز وجل أن يكون شكرنا سببًا للمزيد، للمزيد من هذه المعرفة ومن ثبات هذه المعرفة في القلب.
ولذلك أول ما نتذاكر إن شاء الله اليوم ونقضي فيه الساعة الأولى في لقائنا أهمية الكلام عن أسماء الله عز وجل وصفاته.

حاجتنا للعلم عن الله
نحن نعيش الحياة ونعلم أنها اختبار وابتلاء، فترة من الزمان وسننتهي، وسننتقل، هذه المعلومات بالنسبة لنا معلومات يقينيّة نعرفها ونجزم بها ويجزم بها العقل البشري، فها هم الناس حولنا يتناقصون بالموت ويذهبون، ونعلم أنهم يلقون في موتهم هذا شأن عظيم، إنهم ينتقلون من الحياة التي كانت فرصة للزراعة إلى وقت اللقاء الذي هو بمثابة الحصد لما كانوا عليه، ينتقلون من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، وهذا أكثر شيء فيه خلل: العلاقة بين عالم الغيب وعالم الشهادة.
بمعنى أن علمنا عن أسماء الله عز وجل وصفاته بمثابة الاستعداد للقاء الله، لابد أن تعرف من هو الله من أجل أن تلقاه، أول ما سنُسأل في قبورنا: (من ربك؟) ولن يجيب على هذا السؤال إلا من عاش يتعرّف على ربه، فالحياة كلها فرصتنا لنجيب على سؤال "من ربك"، إذا عرفت من ربك ستعرف (ما دينك؟) وستعرف (من نبيك؟).
ونحن دائمًا نحضّ أبناءنا في التعليم (ادرس تنجح، لا تتوه، لا تضيع، اجعل المنهج الذي تريد أن تدرسه بين عينيك، دائمًا تذكر ماذا يجب عليك أن تقوم به من عمل...) أنت في الدنيا في دار اسمها دار اختبار، هذه الدار توجد فيها من أجل أن تختبر وهناك اختبارات جزئية جزئية بعدد أنفاسك إلى أن يأتي الاختبار الأخير فيه ثلاثة أسئلة محددة: (من ربك، ما دينك، من نبيك) فَعِش كل الحياة من أجل أن تتعلم من هو الله.
لذلك نقص تصوّر الحياة يسبّب نقص الاهتمام بأسماء الله، تصور الحياة وأننا نجلس في اختبار وأنه سينتهي هذا الاختبار بثلاثة أسئلة كان المفروض طوال الحياة عرفنا من هو الله من أجل أن تأتي النتيجة لما نُسأل من ربك نجيب بثبات، ومعلوم أن الناس في إجابتهم لهذا السؤال مقسومين بين ثابت وغير ثابت.

لماذا يجب علينا أن نعرف الله؟
1) لأن مَن فَهِم الحياة، عرف حاجته الماسّة لمعرفة الله.
نذكر تحتها ثلاثة نقاط:
أ. من عرف أن الحياة اختبار وسينتهي هذا الاختبار بثلاثة أسئلة واضحة محددة (من ربك، ما دينك، من نبيك)، عاش الحياة من أجل أن يعرف من هو الله الذي لابد أن يلقاه.
وجواب سؤال (من ربك) هو المهم الأساسي، الذي إذا أجاب عنه الإنسان يأتي ما بعده يسير.
جواب (من ربك) ليس بالسهولة التي نتصورها، ليس بالسلاسة التي نتخيلها، ولما أُسأل في الحياة أستطيع أن أقول (ربي الله)، لكن مثل هذه الكلمات تغيب عن العقل غياب تام إذا لم تكن مستقرة في الفؤاد! ولذلك الحياة كلها فرصة عظيمة من أجل أن نجيب على هذا السؤال.
ب. من عرف الحياة على حقيقتها وعرف صعوبها علم أنه لا يستطيع شق الطريق فيها إلا بالله
الحياة وعُسْرها ويُسْرها لا نستطيع تجاوزها ولا تطيب لنا الحياة إلا إذا عرفنا من هو الله، بتفاصيل الحياة لا تطيب إلا إذا عرفت من هو الله، الحياة تتقلّب وتتغيّر ألوانها، ويوم في عسر ويوم في يسر، خُلق الإنسان حارث همّام، دائمًا عنده رغبات وآمال، هذه الرغبات والآمال طريقها صعب، إذًا سيشق الطريق وحده، وليس دائمًا يكون حوله الخلق، وأحيانًا يكون حوله الخلق لكن يؤذونه، يمنعونه عن غايته، يضرونه، لا يلائمونه..!
{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ}[1] اعتمد عليه، توسّل إليه، افزع بقلبك إليه..
الحياة لا تحتمل مع صعوبتها أن تكون لوحدك، ولم تأمر أن تكون لوحدك، بل إنك نهيت عن أن تعتمد على نفسك، لكن لو بقي الإنسان على حاله لن يواجه إلا الضعف والنقص، ولذلك في الحديث ((فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ))[2]، هناك رواية أخرى عند الإمام أحمد: ((أَنَّكَ إِنْ تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي تَكِلْنِي إِلَى ضَعْفٍ وَعَوْرَةٍ ، وَذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ، وَإِنِّي لَا أَثِقُ إِلَّا بِرَحْمَتِكَ))[3] يعني لو تركتني إلى نفسي وادبر نفسي ستكون النهاية أني سأكشف عورتي بتدبيري، سيكون تدبيري ضعف، سيكون في تدبيري ذنب.
الحياة بصعوباتها لا تحتمل أن تكون لوحدك، لابد أن يكون معك القوي العزيز، واسمع في مواطن كثيرة: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}[4]، {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}[5]، {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}[6]، {وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ}[7]، { وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ }[8]، كلها أمور بها تصبح قريب من الله لو عرفت من هو الله.
من أجل أن تعيش الحياة المليئة بالمصاعب، من أجل أن تتجاوز قنطرة الحياة وتعيش فيها كما ينبغي ولا تدخل في اضطراب ولا أمراض نفسية أو بدنية لابد أن تعرف من هو الله.
اليوم نسمع ليل ونهار عن الأمراض النفسية وحتى الأمراض البدنية المتأثرة بالنفسية ما أكثرها، والسبب أمر واحد: أننا تصورنا أننا بقدراتنا سنواجه الحياة! نحن نخرج من البيت ونقول: ((بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ))[9]، من أذكار الصباح: ((اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ))،  فنحن لا نواجه الحياة بقدرتنا، بل نواجه الحياة باعتمادنا على الله. فالمعنى أننا بك يا رب نستعين، لا نستطيع أن نفعل لوحدنا، ولهذا من عرف الحياة عرف أنه لا يستطيع أن يشقها إلا بالله (فنحن لم نُختبر في الحياة بقوانا، إنما اختبارنا في قوة استعانتنا بربنا التي تأتي بعد معرفة لربنا).
لو لم يعيننا الله لا نكون، ولأن رحمة الله وسعت كل شيء فهو يعين كل الخلق، الذي يطلب والذي لا يطلب، المؤمن والكافر، يعينهم جميعًا ويعطيهم جميعًا، فمن الذي يجعل قلبك ينبض ورئتك تتنفس ومعدتك تهضم، وأجهزة الإخراج تخرج وقدميك تمشي..؟! من يجري الدم في قلبك وفي بدنك؟! هذا كله من أفعاله وليس من أفعالنا.
ج. من عرف الله عاش الحياة بسلام.
في الحياة نواجه أشخاص لهم مكنوناتهم ونفسياتهم، لا نستطيع أن نعرف كيف نأخذ خيرهم ونكتفي شرهم، ربما كان لهم علينا سلطة، أو كان لهم شر خفي، وليس فقط أشخاص بل أحداث وأماكن وأموال، نحن نواجه أنواع من الشرور الخفية التي تختفي وراء أشياء ممكن نحبها، لو لم يكن لنا رب نعرفه حق المعرفة ونعتمد عليه حق الاعتماد فنوكل له شأننا ونطلب منه أن يعطينا خير من حولنا ويكفينا شر من حولنا، لا نستطيع أن نعيش!
نحن لما ننزل منزلًا لا نعرفه في بر أو في غيره وفي هذه الأرض من الحشرات ومن الحيوانات التي ممكن أن تكون مؤذية نقول: ((أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ))[10] انظر إلى أي درجة نحتاج أن نعرف الله! الشرور حولي سواء في المخلوقات التي لا أدركها أو سواء في الناس أو سواء حتى في المال أو في بيتي، لو عرفت الحياة عرفت أنك في أمسّ الحاجة أن تعرف من هو الله.
قد تُقبل على الناس فيستبشرون بك وترى ابتسامتهم لكن لا تدري ماذا يكنّون في صدورهم، فتطلب من الله أن يعطيك خيرهم ويكفيك شرهم، عندك من تعتمد عليه في كل شأن صغيرًا كان أو كبير، لكن متى؟ لو عرفت من هو الله.
الحياة كمركب تتلاطم به الأمواج في بحر لجيّ، من سيثبته؟! من سينجيه؟! من سيخرجه من مكانه؟!
النهاية من الحياة أني سأموت والموت مرحلة من مراحل الحياة، فلو خفت من الموت خوفًا يجعلك تكثر من عمل الخير وتبعد عن الشر، فهذا خوف محمود، أما لو خفت خوفًا يعطّلك عن العمل ويشلّك فهذا خوف مذموم.  المؤمن إذا خرج من الدنيا تستقبله ملائكة الرحمة على قدر سعة الإفق وتبشره وتطمئنه وتخبره خبرين: لا خوف عليكم، يعني من الآتي، ولا حزن على ما تركته وراءك.  لكن تبشر مَن؟ هذا هو السؤال!
أسأل الله عز وجل أن يجعلنا جميعًا والمسلمين ممن يبشروا هذه البشارة اللهم آمين.
المقصود من عرف الحياة عرف حاجته لمعرفة الله، وأنت ستعيش وتموت وكل الناس حولك يموتون، الموت ليس ذاك الأمر المرعب قدر ما هو المسؤولية المهمة، مرحلة أخرى من الحياة يجب أن تتبين لنا ونستعد لها، اختبار، وهناك سيكون الاختبار النهائي، ثلاثة أسئلة: (من ربك، ما دينك، من نبيك) من ينجح في هذه الثلاثة أسئلة؟ من عاش الحياة يعرف من هو الله.
لو نرى كفتي الخير والشر في الدنيا بصورة منفردة عن معرفتنا لله سنرى أن الشرور حولنا في كل مكان، من يحفظنا؟ من يرعانا؟ فلما نظن أن أفعالنا وحدها هي التي تسبب لنا الحفظ والرعاية نكون لم نحسن لنفسنا، أنهكنا قوانا، لما نعرف الله سنستعملها في الاعتماد على الله وليس في قبول وسواس الشيطان!
تأتي المرأة فتنظر مثلًا لأبنائها وتقول لو متّ من سيرعاهم! ثم فجأة تبكي! تبكي على أنه لو ماتت ماذا سيحصل لأولادها!
أولًا أنت حية ولست ميتة! وربما هم يذهبون وأنت تبقين.
ثانيًا وأنت موجودة من قال لك أنك تحفظيهم أو أنك ترعيهم؟! إنما أنت ابتليت بهم والله عز وجل هو الحفيظ والراعي لهم.
فالمقصود انظر كيف الوساوس، لما يكون هناك ضعف في معرفة الله يسيطر الشيطان على حياة الناس فيسبب لهم الوسواس من الشرور التي يعيشوها.  إذًا إذا فهمنا الحياة ستكون النتيجة أنه كلما أتت شرور من الناس أو من الأحوال التي حولي أفزع إلى الله.
ما أكثر المخاوف التي يعيش فيها الناس، تكون غير متزوجة تخاف تكبر ولا تتزوج! تكون متزوجة تخاف زوجها يتزوج عليها! تكون عندها أولادها تخاف بناتها لا يتزوجون! تخاف أولادها يأتي لهم زوجات غير طيبات!... ويبقى الإنسان لا يهنأ بشيء طوال ما هو يعيش على الخوف.
والصحيح أنه كلما خطر على بالك خوف تفزع إلى الملك العظيم الرب الكريم، الذي وصفه أنه حفيظ وعليم وقريب ومجيب وجبار وستير، حيّ قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، لكن من سيفزع إلى الله؟ الذي يعرف من ربه وهو ركنه الشديد، كلما أصابه إعصار أو حتى أصابته ريح خفيفة أخافته في الدنيا فزع إلى ركنه.
ولذلك انظر كيف نكرر سورة الإخلاص، وانظر لو كررناها عشرة مرات كيف يبنى للإنسان بيت في الجنة لأي شيء؟ لأن سورة الإخلاص صورتها في حياتنا ترجمتها أن نقول لأنفسنا: اطمئن أنت لك واحد أحد، هذا الأحد صمد، ما معنى الصمد؟ السيد الذي قد كمّل في سؤدده، سيد كمّل في صفاته، له كمال العلم، كمال الرحمة، كمال الجبر، كمال الستر، كمال القدرة، له الكمال في كل الصفات، سيد ملك عظيم، كل شيء بيده، ثم تقول لنفسك هذا السيد هو الذي تصمد إليه الخلائق وقتما تحتاج، فتطمئن نفسك أن ركنك الشديد معك في كل مكان، ولك في كل حال..
ولا يوسوس لك الشيطان فتكون في شيء من الذنب أو تمر بشيء من الضيق فتقول لا ليس أنا من ألجأ إلى ربنا بسبب أني مذنب! هذا من حيل الشيطان، حتى الكافر يستغيث بالله في لحظة الاضطرار فيغيثه الله، { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}[11] كل شيء وسعتها رحمة الله عز وجل.
المقصود أن معرفة الله سبب من أسباب دفع الشرور خصوصًا الشرور التي فيها مخاوف، أحيانًا لا يكون هناك شر لكن عندي خوف، وهذا الخوف قد أنهك الناس، فمن عرف الحياة وعرف شرورها عرف أن ليس له في دفع هذه الشرور إلا أن يعرف من هو الله.
الجلطة القلبية عبارة عن تجلط الدم في منطقة من المناطق الحساسة بمقدار رأس الدبوس، من يحفظ دماءنا أن تجري فلا يتجلط بهذا المقدار اليسير؟! لا يحفظه إلا الله.
فلو عشت على المخاوف لن أعيش! لكن الاعتماد على الله، لابد أن تعرف أن الله هو الذي يحفظك ويحميك من الشرور التي تجري في داخلك وفي خارجك وفي الناس وفي الكون.. إلى آخره، يوم يخيفونا بالاقتصاد، ويوم يخيفونا بالماء، ويوم يخيفونا بالأمراض، وكل يوم يأتي خوف ونحن نرده بالثقة بالله.
أقرب مخوف لك هو الشيطان ولذلك قال تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ} وفي المقابل {وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً}[12] الله عز وجل إذا غفر لنا أنعم علينا وأعطانا ووسع أرزاقنا وبارك فيها، فكم يخوفنا الشيطان! وكم يعدنا الرب سبحانه وتعالى من أجل أن نطمئن!
{وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}[13]، { لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}[14] والله من أسمائه سبحانه وتعالى (المؤمن) المصدّق لوعده، متى وعد لا يخلف سبحانه وتعالى وعده، يجب أن يكون في القلب معرفة حقيقية بالله من أجل أن تطيب الحياة، أما إذا عشنا في الحياة على أفكارنا وعلى وساوس الشيطان وعلى مجموعة معلومات مجردة لن تطيب الحياة، لو نريد نحسب الحسابات مثلما حسبوا لنا مسألة الماء وقالوا في خلال عشر سنوات ستصاب المملكة وغيرها من الخليج بالجفاف! أليس من يرزقنا الماء في السماء؟! ألسنا على ثقة أننا لو خرجنا بين يديه مضطرين منكسرين أنه يسقينا؟! هم يحسبون الحسبة بالماء الذي يجري أمامهم ونحن نحسب الحسبة بأننا إذا استغثنا لا يخيبنا، نحن عندنا أداة اسمها (صلاة الاستغاثة) وهم لا يعرفون هذه الأداة ولا يؤمنون بها، فالفارق بيننا وبينهم كالفارق بين السماء والأرض، لكن يأخذوك ويأخذوا أفكارك ويسمموها بالمخاوف، فكل يوم مخاوف جديدة إلى أن ينتهي الإنسان بمجموعة وساوس لا تنتهي.
المقصود من عرف الله طابت له الحياة، عرف على من يعتمد، وإلى من يفزع، وإلى من يشتكي، كم في السجود من شكاوى، انظر لو تَعَارّ الرجل يعني كان نائمًا يتقلب ففتح عينيه فقال: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا، اسْتُجِيبَ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلاَتُهُ))[15] ما أقربك يا ربنا! ما أرحمك، كم هو ودّه للمؤمنين، لكن ما أجهلنا به! لابد أن نعترف ما أجهلنا به! ماذا عندنا من معلومات لنملأ فراغ حاجتنا، ولما نبحث سنرى أن كل هذا الذي نعرفه إذا لم يكن في معرفة الله فهو لا شيء.

لماذا يجب علينا أن نعرف الله؟
2) لأن لا يمكن أن يكون هناك إيمان وراءه استسلام إلا إذا عرفت الله.
هذه النقطة تكاد تكون رئيسية في حياتنا الإيمانية كلها التي من ورائها الحياة الباقية، ولو فُهمت ستغير تفكيرنا تجاه الأمور التي تدور حولنا، لا يمكن أن يكون هناك إيمان الذي هو وراء الإسلام، نحن اسمنا بفضل الله مسلمين
  المسلم الحقيقي هو من يكون قلبه مليء بالإيمان.
  والمنافق ما صفته؟ من عنده إسلام في الظاهر لكن في الداخل ليس هناك إيمان.
إذًا نحن نبحث عن الإيمان الحقيقي الذي من ورائه حصل الاستسلام، ليس هناك إيمان حقيقي إلا إذا عرفت من هو الله.

ما معنى الإيمان لغة؟
آمَنَ: صَدَّق، والتصديق له درجات، {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ}[16] أي وما أنت مصدق لنا، التصديق يعتمد على المعرفة.
لو قلت لكم: (قاعة الملك الفهد تحتها مكتبة) هل تصدّقون أو لا تصدّقون؟ منهم من لا يصدّق؛ لأنهم لا يعرفون، ومنهم من يصدّق لأنه يعرف المكان..
الذين يعرفون أن تحتنا مكتبة نسألهم: هل نشعر بهم؟! لا نشعر بهم، صحيح أن هناك تصديق لكن ينقصه الشعور، فالتصديق كأنه سيمر على مراحل:
أولًا: الذي عنده معرفة بالأمر سيكون مصدقًا.
ثانيًا: ممكن أن يكون مصدقًا لكن غير شاعر، فيحتاج إلى إثارة شعورية.
ثالثًا: هل الناس متساوين في شعورهم؟ نفترض أن موظفة من المكتبة تجلس معنا، سيكون شعورها أقوى من الباقيين الذين ليس لهم علاقة أبدًا، من حضر ورشة عمل تحت في المكتبة سيكون عنده مشاعر أقوى من الذي فقط سمع خبر.
إذن الناس يختلفون في شعورهم على حسب العاملين: على حسب كثرة المعلومات ووجود المشاعر، حتى أن المشاعر تعتمد أصلًا على كثرة المعلومات.
لما أصف لك مكان ماذا يكون في شعورك؟ كأنك عشتيه، مثلًا واحد يذهب إلى مطعم ثم يأتي يغرّ الناس حوله فيصف لهم ويصف لهم.. حتى تثار مشاعرهم، يشعروا نفسهم كأنهم معه، من يقرأ قصة والكاتب له أسلوب تأثيري قوي يصبح الإنسان كأنه يعيش القصة كأنه مع أحداثها، هذا الكلام في اللغة.

الإيمان الشرعي عند أهل السنة له ثلاثية:
1.     تصديق بالجنان.
2.     ونطق باللسان.
3.     وعمل بالأركان.
النطق باللسان والعمل بالأركان معتمد على تصديقك بالجنان.
التصديق في قلبك نمرر عليه نفس الذي مررناه على الإيمان باللغة، متى سيحصل تصديق في قلوبنا؟ لما نعرف ربنا..
لما أقول لنفسي يجب عليّ أن أؤمن بالله، إذن من هو الله؟!
من عنده معلومة واحدة أو اثنين أو ثلاثة ستكون مشاعره مثل مشاعر من عنده ألف معلومة؟! لا أبدًا! فلما نريد نقول لأنفسنا ما بنا ضعفاء الإيمان؟ السبب أننا لا نعرف الله، لو عرفنا الله حق المعرفة لانشغلت مشاعرنا به، لوقع الحب والتعظيم، لأن الناس اليوم يحبون أشخاص بعيدين عنهم بمسافات طويلة، انظر كيف لما تأتي فتنة من الشرق ومن الغرب ويأتي الشابات الصغار يحبون المشاهير! لا لغة ولا دم ولا صلة بينها وبينه لكن من كثر ما تكلموا عنهم وأغروهم وعظموهم ومثلوهم في الصفات الحسنة وتغزلوا بهم.. ماذا حصل في القلب الخال؟ تعلق!
فلو سبق إلى هذا القلب الخالِ معرفة الله، لتعلق به، واستقر في قلبه.
لا تنسوا هذه القاعدة: أن الله فطرنا على حب من أحسن إلينا وتعظيم من له صفات العظمة.
فإذا شغلنا هذان الأمران: معرفة من أحسن إلينا، وشغَلنا شأن العظمة بغير الله، وقع لغير الله التعلق والتعظيم.
هذا هو الحاصل! كما قال الشاعر: "صادف قلبًا خاليًا فتمكّنا لأن القلب خال من معرفة الله.
إذًا لما نقول معرفة الله عماد لحصول الإيمان، أنت مؤمن يعني الحقائق الإيمانية موجودة في قلبك بوضوح، ما هي أعظم الحقائق الإيمانية التي يجب أن تكون في قلبك؟ من هو الله الذي تعظمه، لأن الدين كله يعتمد على هذا الشأن؛ تؤمن بالله وتؤمن بكمال صفاته، ولذلك لابد أن نتناقش في هذه المسألة بالتفصيل، ماذا عندنا من أجل أن نكون مستعدين لهذه الحقائق؟ الله عز وجل خلقنا خلقة وفطرنا فطرة تتطلب أن نعرف الله، من أجل ذلك سنعرج الآن للكلام حول الفطرة تحت نفس النقطة.

ما هي الفطرة؟
الفطرة خلقة خلق الله عز وجل عليها الخلق، يعبرون عنها بالعقل الغريزي، فالطفل الصغير يكون عاقل وليس معتوه أو مجنون إذا كان معه فطرته السوية، نختصر الفطرة السوية في ثلاثة معلومات:
  مسلّمات (بديهيات).
  مستحسنات.
  مستقبحات.
1- ما معنى البديهيات؟ أمور مسلّم بها، انظر للطفل الصغير لو سمع أحدًا يطرق الباب، مباشرة يقول مَن؟ لأن عنده من المسلّمات أن كل فعل لابد له من فاعل، لما يأتي الطفل الصغير للبيت وقد حركتم شيئًا أو وضعتم شيئًا أو جاءكم شيء من الخارج يسألك مباشرة من أتى به؟ معنى ذلك أن الطفل عنده عقل غريزي، هذا العقل الغريزي يقول له أن كل فعل لابد له من فاعل، هذه من البديهيات الموجودة في الفطرة.
إذًا أول شيء في الفطرة سنقول أن العقل الغريزي أو الفطرة فيها بديهيات ومن البديهيات أن كل فعل لابد له من فاعل، وحتى هذا الفاعل الذي يفعل الفعل تظهر صفاته من خلال الفعل:
§        فلو طرق طارق بقوة، الطفل الصغير يقول لك قوي أو مستعجل أو عصبي.
§        ولو طرق بِرِقّة يقول لك هذا صغير أو هذا هادئ.
إذًا كل فعل لابد له من فاعل، وصفة الفعل تظهر صفة الفاعل.
مجرد إدراكنا للفعل نصدّق أن هناك فاعل، ويمكن من خلال الأفعال أن أعرف صفاته، هذه مسلّمة غريزية موجودة في كل الناس.
2- ما معنى المستحسنات؟ كل الناس يحبونها ويستحسنونها، مثل العدل، والشكر لمن أحسن، ومن أجل ذلك نجد الشكر من الكلمات المشهورة في كل اللغات، لماذا؟ لأن هذا شيء فطري أن تشكر من يحسن إليك.
3- ما معنى المستقبحات؟ كل الناس يكرهونها، مثل الظلم، أو أن يعطيك أحد ويمدّ لك ويكرمك فتكفره وتجحده ولا تشكره، بمعنى لو جئت لطفل صغير في أولى ابتدائي ومثلًا أمامي منى وسهى، أعطتني منى هدية وأنا شكرت سهى، مباشرة الطفل الصغير يقول المفروض تشكر منى التي أعطتك الهدية، فهذا شيء فطري، عقل غريزي أيًّا كان تفكيره يقول أشكر من أحسن إليك، ولا تكفر من أحسن إليك.
ترى حولك أفعال عظيمة و عندك عقل يقول: لابد للفعل أن يكون له فاعل، ولا تقبل أبدًا أن يكون بدون فاعل. من وضع الأشياء في مواضعها؟! لابد أن يكون هناك فاعل.
إذًا من هو الفاعل؟
لما نأتي في بيتنا نقول من أتى بالمأكول والمشروب؟ نقول رب الدار أتى بهذا المأكول والمشروب.
من طبخ وأحسن وقدم هذه السفرة المباركة؟ نقول ربة المنزل.
لكل دار في الدنيا رب، ودار الدنيا من ربها؟! ربها الذي أوجدها وأعدها والذي لازال يمدها.
لابد أن يكون هناك بحث من هو، فتنظر في كل شيء فتعرف الفاعل وصفات من فعله، مادام العقل الغريزي يقول لكل دار في الدنيا رب وهو الذي يقوم عليها وصفاته واضحة في الدار.. إذًا نحن نسير على نفس القاعدة: أن كل فعل لابد له من فاعل، وصفة الفعل لابد أن تدل على صفة الفاعل.
فلهذه الدار الدنيا رب يعني مالك يملكها، مدبر يدبرها، قيّم عليها أوجدها وأعدها وأمدها، إذًا من هو؟! تبدأ تسأل عن صفاته..
مثلًا: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ}[17] ما معنى البروج؟ منازل الشمس والقمر والنجوم من أكثر الأشياء المدهشة، السنة الشمسية يعني هذه الأبراج المنازل التي تقع فيها النجوم والشمس والقمر، لما يكون الشمس في منزل معين مثل هذه الأيام تقوم تغرب الشمس في السادسة والثلاثين دقيقة وبعدها في السادسة والواحد وثلاثين دقيقة، وهكذا، في السنة القادمة يعني بعد 365 يوم بالضبط ستغرب الشمس في نفس الوقت، والذي بعدها والذي بعدها، ولذلك التقويم الذي فيه الشروق والغروب والضحى يستطيعوا أن يضعوه لملايين السنوات! لأن هذه الشمس والقمر والنجوم تسير في منازلها من أن خلق الله الخليقة إلى أن تقوم الساعة.
إذًا ما صفة مَن وضع هذه الأشياء بهذه الصفة؟ أكيد أنه حكيم عليم، هل هناك مصالح من وضعها في الدنيا؟ تقترب، تنضج الأشياء ويحصل كذا ويحصل كذا.. إذًا حكيم وعليم ورحيم، وهكذا، كلما تعلمت، عرفت صفة من فعل، ولما أعرف صفة من فعل سيزيد إيماني وسيزيد تصديقي لأني عرفت وشعرت.
فهذه المسألة غاية في الأهمية، نريد أن نزيد إيمانًا، لابد أن نعرف الله، والله عز وجل وهبنا فطرة تقول لابد أن يكون هناك فاعل ووهبنا فطرة تقول أن صفة هذا الفاعل تظهر من فعله.

إذن نحتاج إلى أن ننظر حولنا، ونتعرف على الله في كل أفعالنا، وهذا من آثار رحمة الله.
اليوم مع كثرة الفتن لكن في المقابل شواهد الإيمان تغلبها، في الزمن البعيد لم نكن نعرف مثلًا عن هجرة الطيور وتفاصيلها، ولا نعرف عن هجرة الحيوانات مثلًا من شرقها لغربها ومن غربها لشرقها، ومن شمالها لجنوباها، ولا كنا نعرف أن الحيتان تدور الأرض... واليوم فيلم وثائقي بسيط تنظر إليه ترى فيها هذه الحقائق تقول سبحان الله! ولابد أن تتحرك من الوجدان وتملأك يقين أن الحكيم العليم الذي جعل الأرض بهذه في كل زاوية هناك آثار لكمال صفاته، في كل زاوية من الزوايا فيها آثار لكمال صفات الله، في علم البحار شواهد، وفي علم بالبراري شواهد، وفي علم النجوم شواهد، فمن عرف هذا عرف مسؤوليته على نفسه، لا أحد يبحث ويقول له هذا الكون من انفجار كوني، ما هذا الانفجار الكوني الذي يضع كل شيء في موضعه؟! نحن لا نقبل أن غرفتنا ودارنا ترتبت من انفجار في داري، هل الإنفجار يأتي بشيء مرتب؟!
أبو حنيفة لما أراد أن يناظر طائفة السمانيّة حيث قالت لا وجود للرب والإله، ليس هناك أحد فعل، من أين أتت الأشياء؟ قالوا فعلت بنفسها، ثم جاؤوا يناظروه فقال لهم أنا مشغول لا تكلموني، رأيت أمرًا عجبا! رأيت الخشب يأتي من الأشجار ويجمع نفسه، ورأيت المسامير تأتي وتدق نفسها في السفينة، ورأيتها تصنع لنفسها شراع! فقالوا لأبي حنيفة أنت مجنون! فقال لهم لا تقبلوا أن سفينة تصنع نفسها فكيف تقبلوا أن يكون كونًا بهذا الإتقان يصنع نفسه؟! ليس عندنا إلا ثلاثة احتمالات:
1.     إما أننا وجدنا من غير شيء.
2.     وإما أننا أوجدنا نفسنا.
3.     وإما أن هناك من أوجدنا.
وكلنا نتفق لا نحن وجدنا من غير شيء، ولا يمكن أن يوجد شيء من غير شيء، ولا نحن من أوجدنا أنفسنا ونحن شاهدين على أنفسنا، إذًا لابد أن يكون هناك من أوجدنا، ما صفة من أوجدنا؟ صفته واضحة، انظر لكل شيء موضوع في موضعه تعرف أنه حكيم، انظر للأشياء العظيمة تعرف أنه قدير، انظر إلى الأمور التي تأتي في مكانها تعلم أنه عليم حكيم قدير..
الله عز وجل يقول في آخر سورة الطلاق ما يبيّن لنا: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً}[18] هل نظرنا إلى هذا كله وعلمنا؟! هذه مسؤوليتنا في تكوين تفكيرنا وعقولنا ومن ثمّ الإيمان، الإيمان الذي تطيب به الحياة، الإيمان الذي لو امتلأ به القلب أصبح الإنسان يستجيب للطاعة، المشكلة أننا جعلنا الدين كله عبارة عن أوامر ونواهي.
الله عز وجل يعرف نفسه لموسى عليه السلام يقول له: {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي}[19] الفاء العاطفة تدل على أنها نتيجة، إذًا أولًا نؤلّه الله، نحبّ الله ونعظّمه، نحب وتعظّم لما نعرف الله، المعرفة هي التي تأتي بالمحبة والتعظيم وليس مجرد الأمر.
لننظر في الكتاب كيف من أوله إلى آخره والله يكلمنا عن نفسه وعن أسمائه وصفاته وأفعاله من أجل أن يقع في قلوبنا حبّه وتعظيمه، فإذا وقع الحب والتعظيم بصدق وقع بعدها العبودية.
إذن لو وُجد الإيمان وُجد الاستسلام.
بطريق آخر.. ما هو الإيمان؟ المعرفة مع الشعور، من أجل أن يأتينا شعور الحب والتعظيم لابد أولًا أن تأتينا المعرفة، هل نحن مستعدين للحب والتعظيم؟ نعم، ربنا خلقنا عندنا مسلّمات ومسحسنات ومستقبحات، لما نعرفه ونعرف أنه وحده الذي أحسن إلينا {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ* أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}[20] ماهي عملية الزراعة بالتفصيل؟ عبارة عن بذرة، من وهبك إياها؟ الله، نضعها في الأرض، الأرض مُلك من؟ الله، الأرض تربتها خصبة، من جعلها خصبة؟ الله، ثم نسقيها بالماء الذي وهبك الله، تنتفع بالشمس التي خلقها الله، ثم وهي في الداخل من فالق الحب والنوى؟ الله، من مخرج الثمرات بعدما تنشق؟ الله، إذًا تأملوا آيات الواقعة {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ..}، {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ..}، {أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ..} كل هذه أترونها؟! أنتم أتيتم بها أم الله؟!
هذه المعلومات كلها تجعلك تقول: إذن أحسن إلي، والفطرة تقول: تحب من أحسن إليك، تشكر من أحسن إليك، المسألة كلها تدور في خانة فطرية، المعرفة الحقيقية يأتي وراءها الانشغال الشعوري، معرفة تتولد منها المحبة تتولد منها التعظيم، وإذا وجدت المحبة والتعظيم وجد الذل والإنكسار (العبادة)، العبادة ناتج.
{إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} عظّم الله وأحبّه لما تراه من كمال صفاته وستكون النتيجة وقوع العبادة منك، وإذا وقعت هذه المحبة والتعظيم سيكون من اليسير الاستسلام.
ولذلك يأتي أحد بشبهة ويشبّه علينا بعض المسائل، يأتي إلى بعض الأحكام الشرعية ويقول ما الحكمة في هذا وما الحكمة في هذا؟! نقول له: أنا آمنت، وإذا آمنت سيكون بعدها الاستسلام، نؤمن بأن الله له كمال الحكمة، له كمال العلم، له كمال القدرة، لما نؤمن بذلك لن نطلب التفاصيل، فالإيمان قاعدة إذا وقعت تستسلم بما بعدها.
ولكي نتصور هذا الكلام ننظر لحالنا لما نثق في مستشار، لو استشرناه عدة مرات وانتفعنا بمشورته، يحصل عندنا تصديق بأنه مستشار وحكيم، في المرات القادمة لن نسأله عن التفاصيل، استسلمنا لأنه وقع التصديق بأنه مستشار.
ولذلك الاستسلام بعد الإيمان، أركان الإسلام ستكون في البدن والإيمان في القلب، لكن متى سيكون هذا مسلم حقًا؟ لما يكون مليء بالإيمان، فلما ندخل المواقع و وسائل الاتصال نجدهم يحركون بواعث في الناس لكي يرفضوا الاستسلام، من يستطيع أن يرفض مثل هذه الكلمات والظواهر؟ من آمن و عرف الله.
إذًا ما الحصن الحصين لنا جميعًا صغارًا وكبارًا؟ معرفة الله، نؤمن إيمانًا يجعل هذا الإيمان يملأ مشاعرنا ويملأ قلوبنا، فمعناها نصف الله عز وجل بصفات الكمال ومن ثمّ أي فعل وأي أمر يأمر به يقع في قلوبنا الثقة به.
هذه مقدمة من أجل أن نصل إلى الاسم الذي نريد أن نناقشه..

~ العليّ الأعلى المتعال ~
أولًا أدلة ورود هذا الاسم:
في خاتمة آية الكرسي: {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} فمن أسمائه العليّ.
وقال تعالى: { وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}[21] كما في آية الحج.
وفي سورة الأعلى قال الله عز وجل: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}[22].
وفي سورة الليل قال سبحانه وتعالى: {إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى}[23].
فالله عز وجل يصف نفسه ويصف أسماءه ويصف صفاته بأنها عليّة.
وفي الرعد قال تعالى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ}[24].
إذًا "العليّ الأعلى المتعال" كلها تدور حول معنى واحد.
§        أتتني آيتين في اسم العليّ في البقرة وإبراهيم.
§        وأتتني آيتين في اسم الأعلى.
§        وآية الرعد في اسم المتعال.
وكلها دائرة حول صفة واحدة، فلما نأتي نؤمن بأسماء الله يجب أن نؤمن بالاسم على أنه اسم لله ونثبت الصفة التي توجد في الاسم، لما نقول من أسماء الله الغفور: فالصفة المغفرة. الرحمن والرحيم: صفة الرحمة، الجبار: صفة الجبروت والجبر. الستير: صفة الستر. وهكذا، إذًا كل اسم لابد أن يتضمن صفة نصف الله بها.
لما نريد أن نتدارس أسماء الله يعني نريد أن نثبت الاسم بأدلته ونعرف صفة الاسم ونتدارس الصفة التي في الاسم، فهناك أسماء وإن تعددت صيغتها لكنها تعود إلى صفة واحدة.
مثلًا الرحمن الرحيم الصفة الرحمة، هناك فرق بين الرحمن والرحيم:
الرحمن ذو الرحمة الواسعة.   الرحيم ذو الرحمة الواصلة.
فالرحمن وسعت رحمته كل شيء.  والرحيم وصلت رحمته إلى كل أحد أراد الله رحمته.
فهناك فرق بين الرحمن والرحيم.
الغفور الغفار: الصفة المغفرة، الفرق بينهم في اللغة صيغة مبالغة، يعني يغفر بل أنه يغفر كثيرًا من ذنوب العبد ولذلك لا تستعظم ذنب لأن الشيطان عدوك يقول لك أنت تفعل كل يوم ذنب، كل يوم ذنب، أنت لا تصلح للتوبة! لأ الله غفار، يعني مع كثرة ذنوب العباد يغفر لهم، فهذه الصيغة فقط تجاوب على كلام الشيطان، وهو يكلمنا ليل ونهار الشيطان بالوساوس التي تمنعنا عن باب الله.
نأتي بنفس الطريقة لهذه الثلاثة أسماء العظيمة؛ "العليّ الأعلى المتعال" ما الصفة؟ العلو.

صفة العلو:
الله هو عالٍ في ذاته والفطر تشهد على ذلك.
ما نتيجة فهمنا أنه عال بذاته أنه في السماء؟ ما علاقة الفطرة بتقرير مثل هذه الحقيقة؟
كلنا بفطرنا بعقلنا الغريزي نقول لما يكون هناك أحد عظيم أين مكانه في السفول أو في العلو؟ في العلو، مادام أنه عظيم لابد أن يكون في العلو، ولهذا الفطرة تقول كالجارية الصغيرة التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم قال أين الله؟ قالت في السماء، لأي شيء؟ تعرف أن الله عظيم، فإذا عرفت أن الله عظيم عرفت أن مكانه لابد أن يكون في السماء في العلو.
إذًا علو الذات هذه مسألة فطرية، وهذه المسألة الفطرية لابد أن تكون تامة الوضوح لأننا لما نقف بأبداننا نصلي تتجه أبداننا للقبلة وهي هذا البيت العظيم -زاده الله تعظيمًا وتشريفًا ورزق أهله والزائرين له تعظيمه حق التعظيم- هذا لما نقف بأبداننا نتجه اتجاه الكعبة، أما قبلة قلوبنا ففي السماء، وهذه القبلة تطلبها طوال الوقت، التائهين ليس لقلوبهم قبلة، لكن أنت طوال ما أنت سائر إذا تحقق عندك أن الله هو العليّ سيصبح لقلبك قبلة.
من هو التائه؟ كل من فكره مشوش ثم طريقه وهو سائر ضائع، ألا نميز الضائع في الحرم؟ بلى..
كم نحن محتاجون لمعرفة هذا الاسم! هذا الاسم على قدر ما نكرره في آية الكرسي على قدر ما يكاد أن يكون معناه مجهولًا.
صفة العلو لله عز وجل لها ثلاثة معاني: "العليّ الأعلى المتعال"، على أوزان مختلفة وعلى قياسات مختلفة.

 
 1) عالي بذاته سبحانه: أنه سبحانه وتعالى في السماء على العرش استوى، وهذه حقيقة فطرية؛ لأن الفطر كلها لا تقبل عظيم إلا في العلو. هذه المعلومة لا نظن أننا لا نحتاجها! فعدم معرفته سبّب التيه الذي يعيشه الناس في الدنيا الذي نعبر عنه بالأمراض النفسية، حيث لا يكون هناك قبلة للقلب، لو كان لقبلة قلبك العلو إذًا حركة بدنك السمو.
إذن ما المصلحة التي ستقع علينا لما نعرف أن ربنا في السماء؟ كما أن للأبدان قبلة تتجه لها، كذلك القلوب لابد أن يكون لها قبلة تتجه لها، وتفزع لها.
ما أثر هذه القبلة لما يكون قبلة قلبك الله الذي في السماء؟ السمو.
إذا كان قبلة قلبك العلو فمسلك بدنك السمو.
مثال ذلك سحرة فرعون، قبل قالوا هل لنا لأجرا، كانوا يبحثون عن الأجر الدنيوي، كانت قبلة قلبهم المال الدنو (المادة) {قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا}[25]، قبل أن يدخلوا إلى ساحة الجدال والمعركة الفكرية مر عليهم موسى عليه السلام {قَالَ لَهُمْ مُوسَىٰ وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ  وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ* فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى}[26] حركة قلب شعروا أنه ممكن أن يكون على حق، هم أكثر ناس ممكن أن يعرفوا أنه على حق، فتبين لهم أنه الحق فقبلوه والتوفيق من الله ودخل الإيمان إلى قلوبهم أصبح قبلة قلبهم العلو، فما تصرفهم؟ السمو، قالوا له {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ  إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}[27]، فالعلو أتى بالسمو.
لما اتجهت قبلتهم إلى العلو حصل لتفكيرهم بل ولأبدانهم حالة من السموّ، وهذا ما نبحث عنه..
لما تريد أن تمارس القيم العليا الأخلاقية أول شيء لابد أن تكون قبلة قلبك العلو، من أجل أن تمارس القيم الأخلاقية فيحصل لك سمو.
لو كانت أفكارنا في الدنو وقبلة قلوبنا في الدنو، ستكون قيمنا وأخلاقنا وسلوكنا وممارساتنا في الدنو، ما أن نعلو بقلوبنا إلى العلو وتصبح قبلة قلوبنا الله، ستصبح كل مقاصدنا فيها حالة من السمو.
لذلك يقول الأبرار لأنفسهم: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} هؤلاء يطعمون الأكل فكيف بالمعلمات الذين يطعمون الإيمان؟! كيف بمن يغذون القلوب! أكيد أنهم أكثر قولًا {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ}.
يقال لك في كل الأخلاق والممارسات القيمية في كل جهة تُبنى على {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} السمو يأتي بعد أن يكون قبلة قلبك العلو، ولذلك: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ))[28] هذه الممارسات العالية تأتي لما نجعل قبلة قلوبنا الله.
قد يقال: لكن الكفار عندهم أخلاق وعندهم قيم عليا! لا تنسوا أننا اتفقنا على الفطرة وقلنا أن الفطرة فيها مستحسنات وهذه المستحسنات عند كل الناس، لكن نحن نفعل هذه المستحسنات وعندنا علو، هم يفعلون هذه المستحسنات لنفسهم ولذاتهم، من أجل أن يخدموا نفسهم ولذلك يشعرون بفخر وكبر أنهم أحسن من الناس أو من أجل أن القانون يحكم على رغبتهم فقط، لكن نحن عندنا سمو في الغاية.
يقال: من أجل أن يبقى الإنسان على قيمه الأخلاقية لابد أن يكون عنده دافعية وبقاء الدافعية على تعبيرهم ستبقي  عجلة القيم سائرة، هل هناك أكثر من دافعية أني ألقى الله فيرضى عني؟! ليس هناك أكثر من هذه الدافعية، ولذلك الإيمان يأتي بالسمو.
يقول تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[29] فيقال يؤذوني ويفعلون بي كذا وكذا.. نقول له اصبر، إن الله مع الصابرين، هل هنا شيء فوق من أن الله يصبح معك؟! فهذه مشاعر نظرك للعلو وقبلة قلبك الله ورضاه تسبب السمو في السلوك.
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الجارية أين الله؟ قالت في السماء، قال: ((أَعْتِقْهَا فَإِنْها مُؤْمِنَةً))[30]، إيمانك بعلو الله علامة الإيمان، من أجل أنه لو يحصل لك شيء كأنك تسأل إلى أين ستفزع الفزعة الأولى؟! قلبك إلى أي جهة سيتجه؟! إذا اتجه إلى الله هذا دليل الإيمان، أول ما يحدث لك خطب عظيم فزعتك الأولى إلى الله، وإذا تمرنت وتمرنت وأصبحت أحسن ستصبح فزعتك في كل شأن يسير كان أو عظيم إلى الله.
مثال بسيط: لو قيل لك: أنا غدًا ضيف عندكم على الغداء، هذا خطب خصوصًا للعاملات، أول ما فزعنا أي مطبخ سأتفق معه؟! المفروض أول فزعة إلى الله يعينني الله.
نحن في الخطب العظيم مباشرة نفزع لكن لا نريد نفسنا فقط في الخطب العظيم، لأن في الخطب العظيم هكذا نشترك مع أي واحد، فالكافر لما يغرق مباشرة يقول يا الله! تتتحرك الفطرة، يعرف أن الكون له فاعل تلك اللحظة، فتخرج ويتيقن وتصبح قبلة قلبه الله، لكن نحن لا نريد أن نكون مثلهم نحن نريد اليسير بل أيسر اليسير.
لذلك لابد من التدريب، القلب عضلة قابلة للتدريب، ونحن اتفقنا أني من أجل أن يحصل لي إيمان أحتاج أمرين: المعرفة وخلو الشعور، قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ}[31]  لماذا عن اللغو معرضون مع الصلاة خاشعون؟! من أجل أنك لا تستطيع أن تجبر مشاعرك إلا إذا خليت مشاعرك من اللغو وبقي الشيء المهم فقط.
2) عالي في صفاته سبحانه: وهذا أمر نحتاج أن ندركه إدراكًا واضحًا من أجل أن لا يحصل لنا شتات في التعلقات، سنتكلم بالذات عن الصفات المشتركة التي يمكن أن يوصف بها العبد وهي صفة لله، مثل السمع البصر الكرم الغنى، لابد أن نعرف أن هذه الصفات المشتركة للعبد منها ما يناسبه، سمعك وبصرك وغناك ما يناسبك، ولله عز وجل منها أكملها، الله عز وجل له العلو في جميع صفاته، فإذا كان هناك صفة مشتركة فالله عز وجل له منها أعلاها وأعظمها وأجلّها، وليس للعبد منها إلا الاسم، بل ربما كان الاسم أيضًا على عكسه.
ولنضرب مثال على (الغنى) غنى الله وغنى العبد: العبد يوصف بأنه غني، ومعلوم أن الله عز وجل هو الغني الحميد
هذا صاحب مزرعة، غناه أتى من أين؟ غناه أتى من الله، في التركيبة الواقعية ماذا حصل؟ أرض وهبها الله، وهل تزرع بنفسها؟ غالبًا عنده فلاحين، والفلاحين هؤلاء أشخاص، يعني غناه ذاتي أم غناه مكتسب من غيره؟ غناه مكتسب من غيره، ولو هؤلاء المزارعين خرجوا وامتنعوا عن العمل ستهلك الأرض، وبعدما كان غنيًا سيصبح فقيرًا.
لو هذا تاجر مواشي فغناه أتى من المواشي، ولو ماتت المواشي انتهى أمره.
الأمر الأول: إذًا كل الخلق غناهم صفته مكتسبة وليس ذاتيًّا.
الأمر الثاني: أن الخلق كلما زادت عندهم صفة الغنى وتمتعوا به، زاد فقرهم إلى غناهم.
نفكر ما معنى كلمة فقر أصلًا؟ الفقر بمعنى الحاجة، لنتخيل نفسنا أننا كل صباح لابد أن نقوم ونشرب قهوة، وفي الليل لابد أن ننام على فراشنا، ولابد أن نفطر فطور معين، ونتغدى غداءً معينًا، ونتعشى عشاءً معينًا، لو حملونا وذهبوا بنا إلى الحج ماذا يحصل لنا؟ نشعر بصداع ويظهر فقرنا (فقراء إلى هذه الأشياء).  لو غيرنا ليس معتاد على هذا كله، لن يحصل عنده كل هذا ولن يحتاج .. معتاد يعني فقير، يتحول الغنى إلى فقر،
الناس كلهم فقراء {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ}[32].
لو ذهبنا للحرم في الظهر في الصيف وصلينا الظهر وخرجنا ولم نجد حذاءنا سنمشي حفاة! أصبحنا (فقراء إلى أحذيتنا).
لا نقدر أن ننام إلا على فراشنا ووسادتنا، (فقراء إلى فرشنا).
الذي يجب أن يأخذ له غفوة في الظهيرة ماذا يحصل له لو لأي ظرف استمر الناس في العمل؟ يفقد عقله ولا يكون عنده قوة التركيز والسبب أنه فقير بهذه الخمسة أو العشر دقائق في الغفوة.
فهذه السياسة التي تتعبنا كلما نزيد في إظهار الترف نصبح فقراء له، إذًا نحن صفتنا في الغنى ما نوعها؟ فقيرة! ولما تسمع عن غنى الله تعرف أنه غنى ذاتي، ولذلك {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ }[33] ولننظر لهذه الثلاثة صفات ما أعجبها (الرزاق ذو القوة المتين):
-        ولننظر لنفسنا : الله رزاق ، ونحن فقراء.
-        الله ذو القوة ، ونحن ضعفاء.
-        الله المتين ، ونحن عاجزين.
وهذه الصفة لا يخلو منها ولا أحد، كلنا فقراء ضعفاء عاجزين، وافهموا الفقر جيدًا، لو ليس هناك قارورة ماء لمدة ساعة أو نصف ساعة اشعر أني سأموت الآن، لهذه الدرجة فقرنا، فقراء إلى الماء، فقراء إلى الطعام، فقراء إلى فراشنا، إلى أحذيتنا، إلى ملابسنا...
ولذلك: ((يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ))[34] المشكلة أنه غرنا حلم الله وعطاء الله.
المقصود أن الله له صفة العلو سبحانه وتعالى في كل صفاته، فلا يغرك أن أحدًا من الخلق له صفة كمال، كل صفة كمال موجودة في الخلق فهي في حقيقتها صورة الكمال فقط، شائبة، شيء بسيط من الكمال، لكن الكمال المطلق لله عز وجل.
ولذلك انظر للناس لما يتعلقون بالناس على حسب الصفات، يعني لماذا هذه تحب زميلتها وهذه متعلقة بزوجها؟ لأنهم يروا فيهم من الصفات ما يناسبهم ولا أحد يحب أحد إلا لما يتصور فيه الكمال.
ننظر للطفلة الصغيرة في الابتدائي لما تحب معلمتها وتصفها كأنها ملاك في السماء! لماذا تصفها هذا الوصف؟ لأن الإنسان لا يسمح لنفسه بالتعلق إلا لما يشعر أن المتعلق به أو المحبوب له صفة كمال، ومن أجل ذلك يرتفع فوق وهو يتعلق به، هكذا يتصور، وليس شرطًا أن يكون كاملًا في كل أمر، فقد يقول أنا أعرف أنه إنسان عادي لكن لما أتعلق به أشعر أنه مصدر سعادتي.
لو آمنت أنه سبحانه وتعالى أضحك وأبكى ستنزع هذه الصفة منهم وتعطيها لله على وجه الكمال، وتقول الله هو من سيشرح لي صدري وليس هؤلاء، الله هو الذي سيهبني من يشرح لي صدري..
يأتي أحد مثلًا يكون في أول شبابه يقول لا أريد أن أتزوج ولا أريد أن أنجب أطفال وليس لي في هذا التعب، ويرى أنه سعيدًا مع زملائه، ثم يقدر الله ويتزوج ويأتي بأبناء وتدخل عليه سعادة من نوع آخر في الأبناء، فيستغرب من أفكاره السابقة! المشكلة في التعلق ووصف الشخص بالكمال، والاكتفاء به.
لا يحصل الاتصال القوي بأحد ويصبح مثل أنفاسنا من العباد إلا لما نفعل له عملية علو، هذا خطر! هذا ما يدمر حياتنا، كم من مواقف وعلاقات في الحياة نتمنى أن لا نتذكرها ولا نسمع أسماء أصحابها! لماذا؟ لأننا وصفنا أناس بالكمال وتعلقنا بهم وربما حتى عصينا والدينا من أجلهم وارتبطنا بهم وشعرنا أن الحياة كلها هم.. ثم في النهاية يظهر أنهم لا شيء وفي لحظة واحدة تنقلب المشاعر وينتهي هذا كله، في لحظة واحدة يكون الإنسان قضى على جزء طويل من حياته، يكون مدة طويلة لم يتعلق بالله العظيم وإنما أتى بغير الله العليّ ووضعه ونصبه أمام عينيه ورفعه فوق وجعله كل الحياة! والثاني يلعب به لعب يدمّره تدميرًا، والله إن الله يعذبه بهذا المحبوب الذي رفعه! يصبح الثاني يقول له أنا لا أطيقك، ولا أريدك، ولا أريد أشوفك.. وهذا الكلام ليس سر، تواريخ معروفة لكن نخبي على بعضنا من بعض من أجل أن لا نلدغ هذا اللدغ، نخاف على قلوبنا من أن تنطق بهذه الحقيقة!
لا ترفع أحد من الخلق، كل هؤلاء يسخرهم الله، تريد السعادة والانشراح؟ هذه ملك الله، والله ينزلها عليك وقتما ترضى عن فعل الله، ينزلها عليك مع والديك، مع أصدقاءك، مع الناس المحيطين بك.. لكن ليس لما تأتي بأحد وترفعه فوق، ولذلك كثير من النساء يعذبوا أنفسهم بأزواجهم، تضعه فوق وتجعله علامة السعادة، ويفعل أي شيء ويتصرف أي تصرف سليم أو غير سليم، صحيح أو منحرف، أي تصرف هي تتحطم وتدخل في الأمراض النفسية وتدخل المستشفيات وتمرض بدنيًا، وهناك دراسات متأخرة أن مرض السرطان أحد أسبابه الأسباب النفسية، وهذه الدراسة ستخرج قريبًا لأنها ارتفعت في المملكة بصورة عجيبة ونحن قوم نعرف الله والله قبلة قلوبنا!
لماذا تنتهي الحياة أمام عينيه لأن صاحبه تركه ولم يكلمه! هذه واحدة من المحطات في الحياة ستنتهي، بل ستنقلب الصفحة وحتى أن نفسك لن ترجع للصفحة ولا تتذكر كلمة عنه.
الله هو العليّ الأعلى، الله هو الذي تتعلّق القلوب به، لكن كل هؤلاء عباد الله سخرهم الله تقضي حاجتك معهم وتنتفع بهم بالحد المعقول، والزوج بينك وبينه علاقة الحد المعقول، والزميل بينك وبينه علاقة الحد المعقول، والحد المعقول كل الفطر تعرفه.
لكن أحد يأتي لأحد يقول له أنا لا أستطيع أن أعيش بدونك!
أول الكلام كذب، تعيش وتتنفس وتأكل وتشرب وكل شيء، ترسل له الرسائل وتقول له أنا حزين ودموعك تنزل وهو ينظر إلى التلفاز ويكتب! كذب.
الشيء الثاني لو كان صدق يصبح مصيبة، لو كان صدق أنك لا تستطيع أنك تعيش من غيره أو ستعرض نفسك لأي شيء من التلف من أجله، يصبح أنك أعطيته موطن التأليه، وصلنا للخطر العظيم!
العلو المطلق لله، ليس لأحد صفات الكمال، الكريم من تسخير الله، الوفيّ وفاؤه من الله عز وجل يسخره لك، هذا شخص لما أجلس معه يشرح صدري ويبسطني .. لا يشرح صدرك إلا الله.
فكونك تظنّ أن غير الله يفعل لك، يجعلك تتجه إليه وتجعله قبلتك فتفسد عليك الحياة، لحظة ما تذوق اللذة، الشيطان يسكر عقلك عن الحقيقة ثم لما يزول عنك الشيطان، تشعر بالألم العظيم، كم من العلاقات وكم من الأمور التي كنا نعتقدها الآن لا نريد أن نتذكرها ونشمئز من ذكراها! والسبب أننا اكتشفنا أننا رهنا نفسنا لعبيد مثلنا، رهنا أنفسنا لأشخاص يتحكمون فينا أو يسيطرون علينا أو يسيطرون على مشاعرنا ونجعل حياتنا معقودة بهم وهم لا يستحقون حتى أن تلتفت أنظارنا إليهم! كل شيء له حدوده، لا يصل شيء أن يصبح قبلة قلبك أبدا، إنما هذا القلب وما فيه من مشاعر أصلية وهبها الله لنا من أجل أن نصل إلى ربنا، ثم هؤلاء كلهم يساندوك في الحياة ويسيرون معك في الحياة لكن ليس لهم صفة الكمال، أنت ناقص وهم ناقصين.
ولذلك حتى العُبّاد والصُّلّاح وطلبة العلم والعلماء لهم عيوبهم ونقصهم ولا يمكن الغلو بهم ولا رفعهم عن منزلتهم بل لهم من الأخطاء والذنوب ما الله به عليم، وكلنا أصحاب ذنوب والله غفور رحيم، ولو لم يقع الإنسان في الذنب كان أصيب بذنب أكبر منه وهو العجب والكبر فتذهب نفسه حسرات.
المقصود إيماننا بعلو الله يعني إيماننا أنه عال بذاته في السماء فيكون قبلة قلبنا، إيماننا أن له العلو المطلق في الصفات، فمهما أعجبتك صفات الخلق تراها صفات ناقصة لا تجعل نفسك رهينًا لهم ولا عبدًا لهم ولا تجعل نفسك حتى عبدًا لهواك، فقد أُعجب بنفسي وأشعر أن لي رأي فأرى نفسي شيئًا، ومن رأى نفسه شيء فهو عند الله لا شيء!

3) عالي بقهره سبحانه:
وهذا الأمر سيجعلنا ننظر إلى مسألة غاية في الأهمية وهي مسألة القضاء والقدر، المقصود أن علو القهر متصل بالقضاء والقدر، نشرح باختصار ثم نبين بالتفصيل مسألة القضاء والقدر.
علو القهر معناه أن أمره سبحانه وتعالى نافذ على كل أحد، إذا قضى أمرًا يقول له كن فيكون، لا أحد رادّ لأمره، أمره نافذ في كل شيء، ((لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ))[35].
التقدير كصفة للخلق : فلان قدّر كذا، لو كان عندنا قطعة أرض مثلًا ونريد أن نبنيها، ونأتي بمهندس نقول له قدّر لي هذه الأرض كم مبنى يحتمل؟ كم دور يحتمل؟ كم يوم أحتاج؟ كم أسمنت؟ كم طوب؟... فيقدّر ولما يقدّر يخطط ويرسم ويكتب، هذا التقدير يأتي في ورقة، أشرع في البناء ويأتي المقاول الشركة الاستشارية للهندسة على تقدير المهندس، تقدير الإنسان قد يصيب 100% أو يحفروا يجدوا ماء تحت فلا يكون تقدير تام، أو يجدوا مثلًا في الأرض ثغرة فيحتاجوا أسمنت أكثر..
فعند الخلق التقدير قد يكون صائبًا 100% وقد يخطئ.    
التقدير كصفة لله : قدّر الله عز وجل الأمور وكتبها سبحانه وتعالى في اللوح المحفوظ، كل ما قدره حكمة ورحمة وتظهر فيه آثار علمه وحكمته ورحمته، تقع الأشياء كما قدرها بصفة واضحة، ولا أحد يستطيع أن يرد قدر الله، له علو القهر أمره نافذ.
§        قدرها وهو حكيم عليم رحيم.
§        كتبها وهو على كل شيء قدير.
§        نفذت وكل يوم ينفذ قدر كتبه الله.
من ينظر إلى رحمة الله وحكمة الله وعلم الله ينظر لها بنظرة إجمالية، لما الله خلق الإنسان خلق فيه طباع، خلق فيه فطرة، خلق فيه أحوال، خلق حوله ظروف، هذا كله مخلوق، فلما يقدر عليه أقدار تناسبه في هذا كله، ترشده وتوصله إلى رضا الله والجنة.
الإنسان لو سار على أقدار الله كما يحب الله أورثه ما قدره الله عليه جنات النعيم، إذا جاءت له نعمة شكر وإذا جاءت له مصيبة صبر، آمن بحكمة الله ورضي به، لما يأتي له حاجة يدعو الله، لما ينقص عليه شيء يطلبه من الله،
من الذي يجعل الأقدار عليه وليست له؟ الذي يسير في الأقدار ليس كما يحب الله، فالله قدر الأقدار بحيث أن الإنسان نهاية هذا القدر يورث جنات النعيم، هنا عطية، هنا نقص، هنا مصيبة، وهنا لما جاءت العطية الشكر، وهنا لما جاءت المصيبة الصبر، وهنا نقص تطلبه، ويعاد نفس الأمور بأشكال مختلفة، وهنا يعلمك ماذا يريد، لو كنت دقيقًا قبل أن يأتيك أي شيء ويحصل عليك القدر ربنا يعلمك قبله.
مثلًا امرأة تغضب من زوجها في الصباح وتتخاصم معه في الطرق وتخرج وهي في الطريق تفكر أنها ستذهب إلى بيت أهلها ولن تعود له، فتذهب إلى المدرسة فتجد زميلتها تقول أن زوجها فعل لها وفعل لها.. فترى أن زوجها كان رحمة من الله، فالله عز وجل يربيها ماذا تفعل، يرشدها.
مثال: أخت تقول في رمضان خرجت من دوامي وكنت مستعجلة وزميلتي طلبت أن أوصلها فقلت في نفسي أُحسِن إليها لأن الله يحب المحسنين، وفي الطريق كانت تحكي لي عن حروق من الدرجة الأولى وحروق من الدرجة الثانية وأن العسل لو وضعتيه مباشرة يذهب بالأثر، وبعد أن وصلت البيت وأفطرنا وزوجي ذهب إلى الصلاة وكنت أصلي، قامت بنتي التي عمرها سنتين تشد ترمس القهوة وحرقها، وكان حرق من الدرجة الأولى! فسلمت من الصلاة وليس في عقلي إلا أن العسل يفعل ويفعل ويفعل!
فالله يربيك يعلمك يهذبك، هكذا أقدارك التي قدرها عليك لو سرت كما ينبغي تورثك جنات النعيم، {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}[36] ساروا في طريقهم وفتح لهم وفتح آذانهم وأسماعهم.
مثل المغنية الفرنسية المشهورة التي حجّت قبل ثلاثة سنوات وكانت في مدينة جدة في قاعة كبيرة مثل هذه وتكلمت مع الشابات وحكت قصتها، قصتها باختصار أنها كانت مغنية ومشهورة وعندها ما يريدونه كل الشباب، ثم دخلت في اكتئاب نفسي فأصبحت لا تشعر لا بفرح ولا بحزن ولا بأي شيء، ذهبت للطبيب وكتب لها أدوية، فالأدوية زادتها بلادة ولم تعد تشعر بشيء! في نهاية الأمر خرجت من المستشفى قالت لهم أنا أستشفي بنفسي، وقررت أن تسافر أحد الجزر المشهورة في جنوب أفريقيا، وفيها من الجمال ما فيها، زميلتها مغربية الأصل قالت لها خذي القرآن المترجم، وأنه بمثابة التميمة، عندهم ثقافة أن نأخذ من أديان الناس الشيء المعظم عندهم يحفظنا، فأخذت القرآن بمثابة التميمة فقط، وذهبت إلى هذه الجزيرة المليئة بأفعال الله، السماء والقمر وكل شيء، وبدأت تقرأ في الكتاب المترجم وترى في الكون، إلى أن أتت إلى سورة تبارك، وصلت إلى الأمر: {فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ } رفعت نظرها في السماء لم ترى فطور، ثم قبل أن تكمل الترجمة رفعت عينيها مرة أخرى تتأكد فلما قرأت {ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ }[37] قالت هذا ليس كلام أي أحد، هذا كلام من يعلم ما في سرّي، وسارت في الطريق وآمنت!
المرض النفسي نقلها إلى أن عرفت الحقيقة، جاءها القرآن إلى عندها هدية، كلها أقدار، لو لم تستجب وهي تقرأ تكون هي اختارت بنفسها، ولذلك {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَٰنُ مَدًّا}[38] فكما يرزقون أشياءهم المادية كذلك يرزقون الهداية ويدلون على الله، خلق فيهم الفطرة ودلهم في كل شيء، الأقدار التي تجري حولنا هذه الأقدار هي التي توصلنا إلى الجنة، لكن لو تعاملنا معها كما ينبغي، ولا تظن ليس هناك فرق بين من عاش في بلاد المسلمين ومن عاش في غيرها لأن كلهم كتبت لهم أقدار تسوقهم إلى الهداية، ففي بلدنا ويجاورهم الحرم وممكن يكونوا غير مؤمنين ولا على صلاتهم محافظين، لا تغرنا المجاورة، القضية في قلوبنا.
المقصود أن الله له العلو المطلق؛ علو الذات وعلو القدر وعلو القهر، علو القدر المقصود به علو الصفات. ورأينا كم نحتاج لهذا الاسم، ومن أعجب العجب أن العلماء يقولون أن آية الكرسي من مقدمتها إلى قوله:{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} كلها كالمقدمة، يعني وُصف الله بأنه حي وقيوم ولا تأخذه سنة ولا نوم وأن له ما في السماوات وما في الأرض وأن من كمال عظمته ومن كمال ملكه أن لا أحد يستطيع أن يشفع إلا بإذنه، وأنه سبحانه وتعالى حافظ السماوات والأرض لا يؤوده حفظهما، كل هذا بمثابة العلامات التي تدلك على أن الله العلي العظيم!
فما أعظم هذا الاسم وما أكثر حاجتنا له! ومن أجل أن تشعر مدى حاجتنا له: في كل لحظة تشعر فيها باضطراب أو حاجة إلى من سيفزع قلبك وإلى من ستصمدي؟ إلى العليّ العظيم.
علو القهر بمعنى السلطان، ومن سلطانه وقوع القضاء والقدر، وقع من الحكيم العليم الخبير، لو هذا القدر سرت فيه كما ينبغي فزت، والإنسان لما يعرف أنه في اختبار سيرضى بأي شيء المهم ينجح، وهي ليست طويلة الثلاثين والأربعين والخمسين سنة كلها مثل بعضها غمضة عين وتنتهي، أسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا من الناجحين جميعا.

نختم اللقاء بكلام مختصر نقرأ من كلام صاحب (فقه الأسماء الحسنى) للشيخ عبدالرزاق البدر، وهي من الكتب التي ننصح بقراءتها في باب الأسماء والصفات.

العلي الأعلى المتعال:
وهذه الأسماء تدل على علوه جل وعلا المطلق بجميع الوجوه والاعتبارات.
فهو العليّ علو ذات، قد استوى على العرش، وعلا على جميع الكائنات، وباينها، قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ}[39]
أين الله؟ الله في السماء على العرش استوى، لو قيل: الله في كل مكان، هل هذا صحيح؟ لا، الله في السماء معنا بعلمه وإحاطته، لكن ذاته سبحانه وتعالى في السماء.

 وقال تعالى في ست آيات من القرآن: {ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ}.
إذًا نحن نؤمن بعلو الله ونؤمن باستوائه سبحانه وتعالى على العرش، والعرش مخلوق من مخلوقات الله عز وجل، خلقه الله عز وجل واستوى عليه استواءً يليق بجلاله سبحانه وتعالى، ما معنى استوى؟
قال: أي علا وارتفع عليه علوًّا يليق بجلاله وكماله وعظمته سبحانه.
وهو العلي علو قدْر، وهو علو صفاته وعظمتها، فإنّ صفاته عظيمةٌ لا يماثلها ولا يقاربها صفة أحد، بل لا يطيق العباد أن يحيطوا بصفة واحدة من صفاته.
الفائدة من هذا أن لا يغرك أبدًا كمال أي أحد من الخلق فإن كمالهم في حقيقته ناقص، وأنت قدر من أجل أن تتأكد، الكريم سيكرم أهله، خاصته، أصحابه، مدرسته، أو حتى قريته، أو حتى مدينته.. هل كل شيء عليّ؟! كرمه في نهاية الأمر لابد أن يكون محدود.

الثالث:
وهو العلي علو قهر، حيث قهر كلّ شيء، ودانت له الكائنات بأسرها.
انظر للشمس وللقمر وهذه الأشياء العظيمة: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}[40] يعني حتى هذا الكثير تحت قهره لكنهم لم يسجدوا السجود الاختياري الذي يدل على إيمانهم أما القهري فكلهم خاضعين له أقدارهم بيده سبحانه وتعالى.

فجميع الخلق نواصيهم بيده، فلا يتحرّك منهم متحرِّك، ولا يسكن ساكن إلاّ بإذنه، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
هذا وقد تنوّعت الدّلائل، وتكاثرت البراهين، وتعدّدت الشواهد على علو الله تبارك وتعالى على خلقه، حتى إنّ القرآن الكريم فيه أزيد من ألف دليل على علوِّ الله سبحانه، وهي مندرجة تحت أنواع عديدة، بيانها فيما يلي:
يتكلم عن علو الله عز وجل، هناك في القرآن أكثر من ألف دليل يدل على أن الله عال له صفة العلو، هذا يدلك على أن هذه الصفة مهمة، عظيمة، نحتاجها، ونحتاج نكررها دائمًا، ولاحظ الناس لما يتظالمون يطلبون الله، بل انظر للحيوانات يأتي عليها زمن القحط فإنها ترفع رأسها إلى السماء! كل هذا دليل على أن العلو أمر خلق عليه الخلق جميعًا.

الأول: التصريح بالفوقية، قال تعالى:{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [41]، وقال تعالى:{يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ }[42].
فوق عباده يعني عالي عليهم.
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "أن سعدًا حَكَمَ عَلَى بَنِي قُرَيْظَةَ أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ كُلَّ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى , وَأَنْ تُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ وَذَرَارِيهِمْ
حدث هذا في خيبر لما خانوا العهد فقضى عليهم سعد ابن أبي وقاص.
فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ((لَقَدْ حَكَمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ)) رواه النسائي في الكبرى والبزار والحاكم وغيرهم.
الشاهد أن حكم سعد ابن ابي وقاص وافق حكم الله، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ) فعُلم بذلك الإشارة إلى العلو.

الثاني: التصريح بالعروج إليه سبحانه، قال تعالى: { يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ}، وقال تعالى:{ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ ( 3 ) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ}
 ما وجه الشاهد؟ "يعرج إليه"، لا يقال يعرج إليه إلا إذا كان في العلو.

الثالث: التصريح بالصعود إليه، قال تعالى:{ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ إِلا الطَّيِّبُ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ)).
يعني هناك كلمة العروج وهناك كلمة الصعود. المعنى أن الصعود يدل على العلو.

الرابع: التصريح برفع بعض المخلوقات إليه، قال تعالى:{ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ}، وقال تعالى: { إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ}.
رفع الله عيسى عليه السلام يدل على علوه سبحانه وتعالى .

نأتي إلى أدلة عكسها، النزول:
الخامس: التصريح بتنزيل الكتاب منه، قال تعالى:{ تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}[43]، وقال تعالى: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}[44].
التنزيل يكون من الأعلى.
السادس: التصريح بأنه تعالى في السماء، قال تعالى: { أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ}[45].
من في السماء يقصد به الله عز وجل، فهذا فيه تصريح بعلوه وأنه في السماء. يعني هل وقع منكم الشعور بالأمان أن من في السماء يخسف بكم الأرض؟!

وفي صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للجارية: ((أَيْنَ اللَّهُ؟)) فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، فَقَالَ: ((مَنْ أَنَا؟)) فَقَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَعْتِقْهَا فَإِنْها مُؤْمِنَةً)).
وفي الترمذي عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ))[46].
(من في السماء) التصريح بالعلو في السماء.

السابع: التصريح برفع الأيدي إليه، روى الترمذي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحِي مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَبْسُطَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ ثُمَّ يَرُدَّهُمَا خَائِبَتَيْنِ)).
فرفع اليدين إلى السماء تدل على العلو، لأن العبد يتجه بقبلة قلبه إلى الله ويرفع يديه ينتظر من الله.
حتى الأمي غير المتعلّم لما يريد شيء يرفع يديه إلى السماء، فرفع اليدين هذه صورة تدل على علو الله كأنه يقول أعطيني فيرفعه إلى السماء.

الثامن: الإشارة إليه حسًّا إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به، لما كان صلوات الله وسلامه عليه بالمجمع الأعظم في اليوم الأعظم، قال للناس: ((وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟)) قالوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ ((اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ)) ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. رواه مسلم.
يقصد به لما كان في الحج، وكان هذا الموقف الذي أشهد فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه أدى الأمانة، قال: (وَأَنْتُمْ تَسْأَلُونَ عَنِّي) يعني يوم القيامة تسألون عن النبي صلى الله عليه وسلم. (فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟) السؤال سأله الصحابة لكن نحن نسأل نفسنا نفس السؤال أننا سنسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم..
فَقَالَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: يعني يشير إلى الله في العلو أنه أشهد عليهم، وهذا الموقف كثيرًا ما نفعله لما أحد يكلمنا أو نتظالم فنقول ربنا في السماء يشهد عليك، فهذا الرفع إلى السماء يدل على علو الله عز وجل.

التاسع: إخباره صلى الله عليه وسلم أنه تردد بين موسى عليه السلام وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة، فيصعد إلى ربِّه، ثم يعود إلى موسى عدة مرار، وحديث المعراج مخرج في الصحيحين وغيرهما.
موسى كان في السماء لكنه أدنى والله له العلو.

العاشر: إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء، ليطّلع إلى إله موسى، فيذكبه فيما أخبره من أنه سبحانه فوق السماوات: { وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا  وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ}[47] أي: إني لأظن موسى كاذبًا فيما أخبر به من أن الله في السماء، فمن نفى علوّ الله ففيه شبه من فرعون، ومن أثبت علو الله فهو على نهج موسى عليه السلام، ونهج جميع النبيين عليهم صلوات الله وسلامه.
أولًا طلب منه أن يبني له صرحًا، الصرح أين يكون؟ من الأرض إلى السماء ليبلغ بذلك أسباب السماوات، وهو في ظنه أنه يطّلع إلى إله موسى، معنى ذلك أن فرعون يعتقد أن الإله لابد أن يكون في الأعلى، يعني حتى هذه الحقيقة معترف بها فرعون أنه أكيد أن إله موسى سيكون في العلو.
هناك وجهة نظر أخرى تجاه هذا المفهوم أن فرعون لما أكمل كلامه فقال: { وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} في أي شيء كاذب؟ هناك رأيين:
في وجود الإله أصلًا.
أو في أن إله موسى في السماء، معنى ذلك من يكذب بالعلو سيشبه فرعون.

على كل حال أدلة علو الله عز وجل تامة الوضوح وهذا الأمر الحمدلله مستقر في نفوسنا بفضل الله لأنه أمر فطري، لكن نعيد على أنفسنا مرة أخرى :
إذا علمنا أن الله في السماء أثر ذلك علينا أن تكون قبلة قلوبنا السماء، فيحصل لنا السمو في اتجاهاتنا، فتصبر لتجده عند الله، إذا كنت مؤمن بلقاء الله، والدنيا لن تأخذ منها إلا ما قدر لك فيها، لكن اجعل قلبك في حالة من السمو لما عند الله عز وجل.
الأمر الثاني: لما عرفنا أن الله له علو القدر صفاته كاملة لن يغرني أي شيء من كمال الخلق، كمالهم أتعامل معه على أنه كمال بشري لكن الكمال كله لله عز وجل، لما عرفت أن الله له علو القهر الذي يريده نافذ، يصبح لما أريد شيء أتعلق بالناس أو أطلب ربهم؟! أطلب الله، لأن الله لو قضى شيئًا كان، والله لو حكم بوجوده كان، فإذًا لا أتعلق إلا من بيده الملك كله سبحانه وتعالى.

الاسم عظيم ومهم ونحتاج نقاشات كثيرة حوله لكن هذا ما تيسر ذكره في هذا اللقاء المبارك.
أسأل الله عز وجل أن يمتعنا بمعرفته وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وهمومنا اللهم آمين، وبارك الله في الجميع وملأ قلوبنا بالإيمان وجمعنا في جنات النعيم .. اللهم آمين.



[1] (الفرقان: 58)
[2] رواه أحمد وأبو داود وغيرهم. تعليق شعيب الأرنؤوط : إسناده حسن في المتابعات والشواهد.
[3] المستدرك على الصحيحين، قال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الإِسْنَادِ ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
[4] (البقرة: 153)
[5] (البقرة: 222)
[6] (البقرة: 155)
[7] (الحج: 34)
[8] (الحج: 37)
[9] رواه أبو داود والترمذي وغيرهم. قال الشيخ الألباني : صحيح.
[11] (الأعراف : 156)
[12] (البقرة: 268)
[13] (الطلاق: 3)
[14] (إبراهيم: 7)
[15] رواه البخاري في صحيحه.
[16] (يوسف: 17)
[17] (البروج: 1)
[18] (الطلاق: 12)
[19] (طه: 14)
[20] (الواقعة: 64)
[21] (الحج: 62)
[22] (الأعلى: 1)
[23] (الليل: 20).
[24] (الرعد: 9)
[25] (الشعراء: 41)
[26] (طه: 62)
[27] (طه: 72).
[28] متفق عليه.
[29] (العصر: 3)
[30] رواه مسلم في صحيحه.
[31] (المؤمنون: 3)
[32] (فاطر: 15)
[33] (الذاريات: 58)
[34] رواه مسلم في صحيحه.
[35] رواه الترمذي في سننه وصححه الألباني.
[36] (محمد: 17)
[37] (الملك: 4)
[38] (مريم: 75)
[39] (طه : 5)
[40] (الحج: 18)
[41] (الأنعام:18)
[42] (النحل:50)
[43] (الزمر:1)
[44] (السجدة:2)
[45] (الملك:16-17)
[47] غافر:36-37

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.